محمد متولي الشعراوي
1213
تفسير الشعراوي
منهج السماء ، وأما الدّين فهو الاقتراض إلى موعد يسدد فيه . هكذا نجد ثلاثة معان واضحة : الدّين : وهو يوم الجزاء ، والدين وهو المنهج السماوي ، والدّين : هو المال المقترض . واللّه يريد من قوله : « تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ » أن يزيل اللبس في معنيين ، ويبقى معنى واحدا وهو الاقتراض فقال : « بدين » فالتفاعل هنا في مسألة الدّين لا في الجزاء ولا في المنهج ، والحق يحدد الدّين بأجل مسمّى . وقد أراد اللّه بكلمة « مسمّى » مزيدا من التحديد ، فهناك فرق بين أجل لزمن ، وبين أجل لحدث يحدث ، فإذا قلت : الأجل عندي مقدم الحجيج . فهذا حدث في زمن ، ومقدم الحجيج لا يضمنه أحد ، فقد تتأخر الطائرة ، أو يصاب بعض من الحجيج بمرض فيتم حجز الباقين في الحجر الصحي . أما إذا قلت : الأجل عندي شهران أو ثلاثة أشهر فهذا يعنى أن الأجل هو الزمن نفسه ، لذلك لا يصح أن يؤجل أحد دينه إلى شئ يحدث في الزمن ؛ لأنه من الجائز ألا يحدث ذلك الشئ في هذا الزمن . إن التداين بدين إلى أجل مسمى يقتضى تحديد الزمن ، والحق يوضح لنا : « إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ » وكلمة « فاكتبوه » هي رفع لحرج الأحباء من الأحباء . إنه تشريع سماوي ، فلا تأخذ أحد الأريحية ، فيقول لصاحبه : « نحن أصحاب » ، إنه تشريع سماوي يقول لك : اكتب الدين ، ولا تقل : « نحن أصدقاء » فقد يموت واحد منكما فإن لم تكتب الدين حرجا فماذا يفعل الأبناء ، أو الأرامل ، أو الورثة ؟ . إذن فإلزام الحق بكتابة الدين هو تنفيذ لأمر من اللّه يحقق رفع الحرج بين الأحباء . ويظن كثير من الناس أن اللّه يريد بالكتابة حماية الدائن . لا ، إن المقصود بذلك والمهم هو حماية المدين ، لأن المدين إن علم أن الدين عليه موثق حرص أن يعمل ليؤدى دينه ، أما إذا كان الدين غير موثق فمن الجائز أن يكسل عن العمل وعن سداد الدين . وبذلك يحصل هو وأسرته على حاجته مرة واحدة ، ثم يضن المجتمع الغنى على المجتمع الفقير فلا يقرضه ؛ ويأخذون عجز ذلك الإنسان عن السداد ذريعة لذلك ، ويقع